الرئيسية / مجلة الجمعية / العدد 365 / أهم أسباب شح النباتات الفطرية والفقع في دولة الكويت

أهم أسباب شح النباتات الفطرية والفقع في دولة الكويت

 

أهم أسباب شح النباتات الفطرية والفقع في دولة الكويت

د. هاني الزلزلة     اخصائي علوم النباتات والزراعة التجميلية
د. هاني الزلزلة اخصائي علوم النباتات والزراعة التجميلية

تكوّنت الأقاليم الصحراوية نتيجةً لتسخين الأراضي في المناطق الاستوائية بسبب الأشعة الشمسية العالية ولنظام التيارات الهوائية، حيث أن البيئة الصحراوية تمثل 90% من مساحة دولة الكويت، ويصل عدد النباتات التي تم التعرف عليها أكثر من 370 نوعا. وفي السابق كانت النباتات الفطرية تنمو في الكويت بعد سقوط الأمطار خلال فترة الشتاء والربيع، و تكتسي الصحراء بالثوب الأخضر وتتحول إلى لوحةً غنّاء وجميلة من الألوان بسبب النباتات المُزهرة من نباتات موسمية تتكاثر وتنمو في فترة قصيرة، ومعمرة تقضي فترة الصيف في حالة السكون. كما أن للنباتات الصحراوية أهمية في صد الرياح وتثبيت الرمال.

وتشكل البيئة الصحراوية إحدى ثروات الأرض الأساسية القادرة على تجديد نفسها حين تتوفر الظروف الملائمة. وكان للنباتات الصحراوية استخدامات متعددة لأهل الكويت، مثل: الدواء، والغذاء، وأعلاف للماشية، ووقود للطهي والتدفئة. ولكن في الوضع الراهن أصبحت ظاهرة شح النباتات الفطرية واضحة في مساحات شاسعة وفي جميع مناطق الكويت، والدليل على ذلك قلة الغطاء النباتي الطبيعي، وزحف الرمال، والتصحر القاسي، وحدوث تبدّل نباتي غير مرغوب فيه في بعض المناطق، وتناقص القدرة البيولوجية لسطح التربة بنسبة عالية، بالإضافة إلى تغير لون التربة الذي يدل على نقص المواد العضوية فيها، وحاجتها إلى استصلاحٍ كبير.

وبالرغم من فقدان نسبة كبيرة من الغطاء الأخضر الزاهي بألوان الورود الموسمية، مازال حُب الصحراء جزءٌ من تراث الكويتيين ومازالت الصحراء تستقطب الناس خلال فصل الربيع والعطل للترفيه عن النفس وكسر نظام الروتين اليومي وهي عادة قديمة تُعبر عن عبق الماضي. وتعتبر الأنشطة البشرية غير المدروسة في البيئة الصحراوية من الأسباب التي تزيد من ظاهرة التصحّر، وتُعد من أخطر المشكلات في دولة الكويت بسبب الخلل الواضح للتوازن البيئي الطبيعي، حيث تؤدي هذه الممارسات إلى هدم وتخريب للأرض. ويذكر أن تدهور الصحراء استمر لفترة تدريجية على مدى جيل أو جيلين، ولإعادة بنائها تحتاج لفترة تمتد إلى عدة أجيال. وتعتبر مساحة دولة الكويت صغيرة بالنسبة للأنشطة والممارسات البشرية، ومن الصعوبة إعادة البيئة الطبيعية دون التدخل البشري لحمايتها، حيث أثّرت عوامل بيئية متعددة على الغطاء النباتي للبيئة الكويتية إلى جانب نقص الوعي البيئي والأنشطة المتعددة الخاطئة.

Ph-2ومن أهم العوامل البيئية المؤثرة على الغطاء النباتي درجة الحرارة، واتجاه وسرعة الرياح، والرطوبة، حيث أن الغطاء النباتي يعكس العوامل المناخية للمنطقة. ومن المعروف أن الكويت تقع ضمن المناطق القارية والمعروف عنها الارتفاع الشديد للحرارة، وقلة نسبة سقوط الأمطار، والرياح الحارة الجافة التي تُسمى «السموم» خصوصاً في شهريْ يونيو ويوليو التي تؤثر على العوامل البيئية مثل ارتفاع نسبة البخر، وزحف الرمال. وتُعد الأمطار من أهم عناصر المناخ بعد الحرارة، وبناءً على ذلك، يتم تحديد نوع وكثافة الغطاء النباتي. ويؤدي عدم تساقط الأمطار لفترات متقاربة إلى رفع نسبة الرطوبة السطحية، أما تعويض نسبة البخر المرتفع فيؤدي إلى حدوث ظاهرة الجفاف. بينما تؤدي قلة تساقط الأمطار إلى نقص عنصر النيتروجين بالتربة الناتج عن التفريغ الكهربائي عند حدوث الرعد، والذي يعتبر من العناصر الهامة لمراحل نمو وتطور النبات وتكوين الكلوروفيل، والإنزيمات، والأحماض النووية.

ويذكر أن عملية الإنبات وتثبيت البادرات لا تحدث إلا في الفصول الغزيرة بالأمطار، عندما تحتوي التربة على نسبة رطوبة لفترات طويلة، حيث يشكّل الماء أهمية كبرى للنباتات كونه الوسط الذي ينقل المواد المختلفة في الأنسجة النباتية، ويزيد من النشاط الكيميائي في الأوراق. وتؤثر العوامل التي تم ذكرها على نمو فاكهة الصحراء وهي: الفقع أو الكمأة، وهو نوع من أنواع الفطريات الخيطية، وتسبب ثمرة الفقع تشقق وانتفاخ التربة الرملية الطينية والذي يعتبر دليلاً على وجود الفقع. ويتغذى الفطر على نباتات أخرى ولا يمكنه النمو منفرداً حيث يشكل مع النباتات الأخرى علاقةً تكافلية، وكما عرف أخصائيّو التغذية أن الفقع من الفطريات التي لها فوائد وخصائص غذائية كثيرة، ويعتبر مصدراً للبروتين النباتي الخالي من الكولسترول. وكان البحث في الماضي عن الفقع يتم عن طريق السير على الأقدام، و(المفقّعون) هم أهل البادية الذين لديهم الخبرة لمعرفة أماكنه في مناطق معينة في الصحراء، وخصوصاً في مناطق تواجد نبات الرقروق، وهو عشب حولي قصير، أزهاره صفراء اللون، وتذبل بشكل سريع. وبعد فترة الوسم ودفء التربة، تبدأ بشائر الفقع التي ينتظرها الناس. أما في الوقت الحالي، يتم البحث عن الفقع عن طريق وسائل النقل الحديثة التي تسبب دمار للتربة وللبساط الأخضر الذي يحيط بمناطق نمو الفقع.

ويعتبر الغطاء النباتي مؤشراً واضحاً وأساساً لتحديد جودة التربة والأنشطة البيولوجية فيها، وقد أصبحت ظاهرة تملّح التربة واضحةً ليست في المناطق الساحلية فقط. ويرجع ارتفاع نسبة الملوحة في التربة لعدة أسباب تؤدي إلى عدم نمو النبات بالصورة الصحيحة. كما أن وجود الصوديوم والبورون والكلوريد على سطح التربة وفي منطقه نمو الجذور يسبب جفافها، ويكون التأثير واضحاً على النبات خصوصاً في فصل الصيف الجاف.

ويذكر أن الأنشطة الصناعية، وعمل الدراكيل لأغراض البناء، والأنشطة الخاطئة، والممارسات البشرية غير المسئولة، وعدم تفهم مدى خطورتها، وزحف الرمال، وظهور الكثبان، وهبوب الرياح المحمّلة بالسّافي، لها آثار سلبية على الغطاء النباتي، هذا إلى جانب حركة الآليات، والدهس المتكرر للمواشي، ونقل صهاريج المياه إلى مناطق في قلب الصحراء، وتؤدي جميع هذه الأنشطة إلى تدمير النباتات وتعرية سطح التربة، كما تعمل الأوزان الثقيلة للآليات إلى تغيير في التركيبة الفيزيائية للتربة، مما جعلها أقل مسامية لتبادل الغازات وحركة المياه التي توفر الحياة للنظام الجذري للنباتات، إضافةً إلى ذلك فإن التخييم وما يصاحبه من ممارسات غير مسئولة مثل: استخدام مواد البناء والخرسانة، وإزالة النباتات حول منطقة التخييم، وجرف سطح التربةالذي يعتبر مخزناً للبذورلعمل الحواجز الترابية، بالإضافة إلى  نقل الرمال من على سطح التربة، يؤثر سلباً على نسيج التربة مما يجعلها قاحلة، وأقل إنتاجية، وفاقدةً للحياة في نهاية كل موسم من كل عام.

الرعي الجائر وتحميل رقعة المساحة لرعي الماشية أكثر من الطاقة الإنتاجية المطلوبة لتعويض نقص النباتات يؤثر كذلك سلباً على نمو النباتات. ويذكر أن هناك الكثير من أصحاب المواشي والإبل ممن تم تخصيص لهم حِيازات لتربية المواشي والإبل من قبل الهيئة العامة لشئون الزراعة والثروة السمكية، ولكن مع الأسف نجد أن الإبل والمواشي مازالت منتشرة في الصحراء تلتهم الأخضر واليابس، وبالتالي تؤثر على الطاقة الإنتاجية للبيئة البرية وتغيرها. ولقد صاحبت الزيادة السكانية زيادة في الطلب على لحوم المواشي وزيادة أعدادها لسد الاستهلاك الغذائي، الأمر الذي أدى إلى زيادة الطلب على الأعلاف وتدهور الغطاء النباتي لإشباع الماشية. ولقد أدى إتلاف الغطاء النباتي إلى تدهور في تركيبة وخواص التربة، بالإضافة إلى هبوب الرياح الشديدة المسببة لتآكل مواضع معينة، مما يسبب تعرية التربة وإزالة الطبقة المناسبة لنمو البادرات النباتية.

وقد وُجد بأن تواجد الغطاء الخضري في المنطقة يزيد من نسبة الرطوبة بالجو، وذلك عن طريق زيادة كمية الماء المفقود عن طريق عملية النتح، واسترجاع نفس النباتات الأصلية يتطلب تكوّن تربة جيدة عن طريق العوامل الطبيعية والنباتية التي تستغرق زمناً طويلاً من الوقت.

ويسبب التركيز العالي بالجو من الأدخنة وملوثات الهواء الصناعية والسموم الهيدروكربونية مثل الميثان والإثلين والإيثان الناتجة عن الأدخنة الصناعية، والسيارات، وتوليد الطاقة الكهربائية، ومنشآت صناعة النفط، ومرادم النفايات، انبعاث غاز الميثان الذي يؤدي إلى خفض الإنتاج وقصور لوظائف النبات.

7caf8a3a-8ab6-46a6-8acd-b395f7bc2405وهناك عوامل هامة بيولوجية لاستمرار إنتاجية الغطاء النباتي، بالإضافة إلى التوقيت الزمني لمراحل الإنبات والتزهير وتكوين البذور. ويحتاج نمو البادرات النباتية إلى بيئة مناسبة (الوسط الذي ينمو فيه النبات)، وعادة ما تكون البذور في حالة سكون حتى تتوفر البيئة المناسبة لها و تبدأ مرحلة النمو، وفي كثير من الأحيان، لا تكون الظروف البيئية ملائمة مما يؤثر سلباً على نمو النباتات، فعلى سبيل المثال: عند تساقط الأمطار في فصل الشتاء والربيع على فترات متقاربة نجد الصح

وتكون النباتات الحولية الصغيرة والعشبية حساسة جداً في بداية مراحل النمو، حيث تحتوي على مواد كربوهيدراتية وفيتامينات ومواد معدنية بكميات قليلة ومحدودة لمرحلة التطور للنظام الخضري وتثبيت جذورها بالتربة، والبادرات حديثة النمو تكون هشة وعرضة لتغير عوامل غير ثابتة وقريبة من سطح التربة، كما تتغير في خواص التربة الكيميائية وكمية المادة العضوية فيها، وهذا يؤدي إلى اختلاف قوة النباتات البيئية، ولهذا فإن عملية الإنبات والتثبيت يجب أن تتم بصورة سريعة وتحدث أساسا خلال فصل هطول الأمطار، فكلما طالت فترة الأمطار كلما زاد نجاح نسبة الإنبات و تثبيت النباتات. وقد أخلت التغيرات البيئية بالظروف المناخية وقلة المخزون المائي الجوفي والسطحي والمناخ القاحل، مما أدى إلى وجود مواسم جفاف متكررة، ويعتبر ذلك من العوامل الرئيسية في نقص الإنتاج للنباتات الطبيعية والتنوع البيولوجي. وأحيانا تحتاج النباتات الحديثة التكوين إلى أكثر من سنة كاملة ممطرة لاستكمال نمو جذورها وتثبيتها في الارض. كما أن عملية تكوين الأزهار والبذور لها علاقة بكمية الطاقة المتوفرة للنبات والماء، وينطبق ذلك تحديداً على النباتات الحولية غير المستديمة. وهناك بعض النباتات تكون لها القدرة على مقاومة الجفاف، وذلك بأن تقضي النباتات وقتاً تكمن فية أثناء العطش إلى موسم هطول الأمطار فيما بعد لتعود إلى النمو.

ويعتبر نشر الوعي البيئي بين المواطنين، وخاصةً أصحاب المواشي والرعاة، كما أن التوجّه نحو الحفاظ على الغطاء النباتي له أهمية كبرى،  خاصةً وأن حكومة دولة الكويت تولي اهتماما كبيرا للحفاظ على البيئة الفطرية (المجتمع البيولوجي)، ومجابهة وتقليل الخلل في النظام الطبيعي للبيئة الصحراوية.

ويعتبر معهد الكويت للأبحاث العلمية أحد المؤسسات الرئيسية في الدولة المختصة بعمل الدراسات والأبحاث العلمية في مجال علوم البيئة الصحراوية، وإعادة تأهيل البيئة الفطرية، وبحث الإمكانيات والتقنيات التي يمكن تطبيقها لتحسين التنوع والكثافة في البيئة الصحراوية.

عن Mohammad Al-Najjar

شاهد أيضاً

مضخات الري Pumps

انواع مضخات الري Types of pumps يوجد أنواع عديدة من المضخات المستخدمة في رفع ماء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *