الرئيسية / خواطر زراعية / تساؤلات في التنمية الزراعية والتخطيط

تساؤلات في التنمية الزراعية والتخطيط

مقدمة وتساؤلات استراتيجية:

التنمية عموما هي زياة واتساع وتكبير الهيكل لشيء ما وهي مشتقة من النمو- وهو طبيعي في الحيوان- ولكن في النشاطات يجب أن يكون هناك تنمية لأنها تنمى من قبل الإنسان، وهذا ينسحب على كل نشاط إنساني- سواء في العمل أو الإنتاج بكافة أنواعه سواء كان زراعيا أم صناعيا، وكذا في التنمية الإدارية، ومقالنا هذا ينصب على التنمية الزراعية وتنمية الثروة الحيوانية ومنتجاتها ومشتقاتها، وحتى نتمكن من التحديد الكامل للتنمية المطلوبة يجب أن نراعي عدة أمور:

-1 تحديد الهدف من التمية، هل هو لسد حاجة محلية أم التصدير أم خلق نشاط جديد له مناخ جيد لقيامه؟

-2 هل هذه التنمية تؤدي إلى إنتاج جيد له قيمة منافسة:

-1 أم يجب أن يكون مدعوماً بقدر ما؟ ثم يتوقف الدعم بعد نجاحه؟

-2 أم يكون مدعوماً باستمرار لأن مثله من الإنتاج الخارجي مدعوم كذلك وبالتالي لا يتسغني عن الدعم المماثل.

-3 أم يكون مدعوماً حتى ولو لم يكن الدعم الخارجي للإنتاج قائماً وفي الحالة الأخيرة سيكون هذا النوع من الإنتاج فاشلاً.

 

خلفية تاريخية:

وطالما كان هدفنا من هذا البحث والتنمية الزراعية بفروعها بما فيها الثروة الحيوانية ومنتجاتها فعلينا أن نضع الحقائق التالية نصب أعيننا. إن المشاريع في هذا السبيل قامت لفترة ليست بالوجيزة بل منذ حوالي ما يقرب من النصف قرن. إن الكويت أساساً من هذه الناحية كانت تعتمد على إنتاجها من بعض الخضروات والفواكه الصيفية، وفي كثير من غذائها على الألبان واللحوم والجلود.. إلخ. من قبل تلك النهضة المباركة في المشاريع الزراعية المختلفة.

إن الموضوع ليس جديدا على الكويتيين، فكما كانت القطاعات الأساسية في السابق التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني قبل النفط، هي البحر وما يتعلق به من نشاطات كالغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك وسفن عابرة للقارات من صنع الكويت تحمل التجارة من وإلى الكويت، كان هناك عمود الزراعية وتربية المواشي، فمن البادية كانت تنزل الألبان المجففة «الإقط» وغير ذلك، وكذلك اللبن في مواسم الفيض الرعوي عدا السمن الذي كان يستهلك بكثرة ولم يكن يعرف الكويتيون غيره إلا سمن الشحوم ويستعمل لأغراض خاصة غير السمن العادي، كما أن بيوت الكويتيين عموماً «حضر وبدو» لم تكن تخلو إلا  نادرا من حيوانات اللبن من الغني إلى الفقير إلا ما ندر لأن الألبان كانت عند الكويتيين غداء أساسيا خصوصا في الصيف «لأنه غذائهم مع التمر» أما الطبخ فلم يتيسر له ماء، كما هو الحال في منبتهم الأصلي الجزيرة العربية، ولكن زاد عليه ما اقتبسوه في أسفارهم إلى الهند وشرق آسيا وأفريقيا لاستحضار الأرز بأنواعه والبهارات فنون الطبخ المختلفة في تلك البلاد. كما أن الزراعة كانت تحتل مركزا هاما سواء كان في الجهراء أو الساحل الشرقي ممتدا من الدمنة «السالمية حاليا» حتى الفحيحيل، ولازلت أذكر  وأنا صغير كيف كنا نخرج للبر شتاء أور بيعا وكان هناك على سواحل الفنطاس والمنقف وأبو حليفة حقول الشعير والحنطة المزروعة على المطر والتي كانت أحيانا تعلو على رؤوسنا، عدا مناطق الرميثية والشامية وغيرها من الأماكن القريبة والبعيدة عن العاصمة، والتي كانت تعتمد على زراعة الخضر والفواكه الصيفية كالرقي والبطيخ والشمام حاليا. وعدا الجهراء والتي كانت مصدرا أساسيا للجت «البرسيم» والخضرة. بل إن الرعي والزراعة حقيقة كانت هي أعمال الرعيل الأول من المهاجرين من الجزيرة العربية عدا صيد الأسماك، ثم أتى بعد ذلك دخول الكويت مضمار البحر والسفن. وكما يبدو في البداية كان ذلك اقتباسا من جيرانهم الخليجيين، ثم أصبح حرفة وصناعة برع فيها الكويتيون. وتفوقوا أيما تفوق، حتى ألفوا كتبا في علوم البحر ومسارات السفن والمحيطات والملاحة.

نرجع إلى بحثنا إن الحاجة قائمة، لأن السوق متوفر، والأساس موجود، وهو في دماء الكويتيين حيث كان عملهم الأساسي، ولهذا قامت هذه المشاريع بتشجيع مبدئي من الحكومة وسرعان ما انتشرت هذه المشاريع الزراعية بشتى فروعها من الشمال إلى الجنوب وكل في عمله جندي مكلف يسوقه ضميره وطموحه يبدأ باتكاله على الله  وتنفيذا لدينه الذي يحثه على العمل والإنتاج والأكل من عرق الجبين، ثم حبه لوطنه الذي أمله أن يراه واحة مشرقة يعتز بها بين الأمم.

ثم حدث ما كان من الغزو الغاشم. ولدهشة العالم لم تمر إلا أيام وشهور حتى عادت عجلة الإنتاج والعمل أكثر مما كانت في هذه القطاعات الزراعية ودون أي دعم أو تعويض من الحكومة عما لحقهم من أضرار، إلا دعما يسيرا لبعض القطاعات لا يذكر، ولا يؤيه له «ليس إذا قورت بمن حولنا» ولكن إذا قورن بما قبل الغزو حيث لم يشكل ذلك الدعم الميسر أكثر من ٪1 عما كان قبل الغزو، وأكرر دون تعويض، وكل المشاريع ابتدأت من جديد إما بمال أصحابها القادرين أو باقتراض غير القادرين والذين ما زالوا مدينين حتى يومنا هذا يسددون ما عليهم، وكان على الأقل يجب على الحكومة أن تقرضهم بدون فوائد، وهذا لم يحصل؟

 

اسأله أساسية:

على كل حال نكمل الموضوع فنقول: أنه يجب حتى نتوصل إلى ماهية التنمية حالياً أن نعلم ما يلي:

– ما هي حاجة السوق؟

– ما هي الحاجة المستقبلية لفترة سنوات؟

– كم عدد المشاريع في كل قطاع من ألبان دواجن زراعة محاصيل.. إلخ.

– ما هي أسعار الأسواق؟

– ما هي السلع المدعومة الخارجية الموردة للكويت؟

– ما مقدار الدعم الخارجي حتى يعطي مثله على الأقل؟

– ثم يقرر بعد ذلك زيادة تلك المشاريع أو إيقافها مع عمل برنامج زمني للتوسع في المستقبل بمنح تراخيص جديدة أو «تقليصها» مع التفويض لأصحابها المبتدئين.

 

الخلاصة:

قلنا سابقا إن هناك أموراً كثيرة يجب مراعاتها عند تقرير ماهية التنمية وحتى نصل إلى الهدف المنشود بانسياب طبيعي دون ظهور زيادة الإنتاج أو خسارة لأصحاب المشاريع ودون وجود نقص في المطلوب. يجب معرفة أسس ما أشرنا إليه في نهاية القسم الأول في هذه الدراسة «تلخيصها» وحتى نصل إلى الهدف المنشود الأمثل يجب على جهات كثيرة التعاون  لوضع الأجوبة على ذلك وهي:

پ الهيئات والاتحادات الزراعية المختلفة.

پ الهيئة العامة للزراعة بأجهزتها.

پ مؤسسات البحث العلمي.

پ الجامعة بكلياتها العلمية والاقتصادية.

پ مجلس التخطيط.

پ وزارة التجارة.

پ الموانئ والجمارك.

پ وأخيراً مجلس الأمة.

والأفضل بعد ذلك انشاء جهاز متابعة يخص هذا الموضوع. لا أتخيل كيف يكون هذا الجهاز أو المجلس، ومع من يلحق من الإدارات أو الوزارات، ولكن تقرير ذلك بعد الدراسة، وعلى مجلس التخطيط أن يكون مستعداً تماما:

– لتقديم الإحصاءات اللازمة المتعلقة بالسكان والزيادة السكانية وعن مطلوبات السوق من السلع المنتجة محلياً وغيرها وعن الأسعار بالتعاون مع  وزارة التجارة.

– أن يكون مستعداً للبدء بتوجيه التعليم مع  وزارة التربية والجامعة للاستعداد لخلق فروع جديدة. وتوجيه الشباب لدراسة الزراعة والحيوان وخاصة عمليا. وبما يتعلق بإدارة المزارع والعمل بها  واستخدام الأساليب والميكنة الحديثة بما يتلاءم مع الخطة التي يجب أن توضع لذلك. حتى نخرج بشباب يستفيد منهم الوطن ويستفيدون من أنفسهم بالعمل المثمر. وأن يحلوا بالتدريج محل العمالة الوافدة بإمكانياتهم العلمية المتقدمة، وباستخدام معرفتهم والأساليب المحترمة، ونحن بمزارعنا مستعدون لاستقبال أي راغب من الشباب إذا أراد أن يتدرب. بل على الجامعة والجهات المسؤولة أن تلزم أصحاب المزارع بالتعاون معهم في هذا السبيل، إذا أردنا استقرار الأمور بأيدي أصحابها، وحتى يكون أبناؤنا منتجين عاملين- لا أبناء ذوات- وتربية الخادمات ولا من المهملين والذين ليس لهم هدف ولا ذات.

 

هذه المقالة كتبها رئيس الاتحاد الأسبق محمد سالم العتيقي- رحمه الله تعالى- ونشرت سنة 1996 بشكل مسلسل بالأعداد رقم 174 – 175 – 176 في مجلة المزارع. ونعيد نشرها في المؤتمر لما لهذه المقالة  وما بها من تساؤلات لم يتم الإجابة عليها من أهمية في توجيه مستقبل الإنتاج الزراعي المحلي بشكل عام في الكويت بشكل استراتيجي وفعال، ولما لها من علاقة وترابط بموضوع المؤتمر والواقع الذي نعيشه.

 

نبذة عن كاتب هذا المقال

 

محمد سالم العتيقي (رحمه الله)

 

من مواليد محلة العتيقي في وسط مدينة الكويت 1934 ميلادية

تخرج من المدرسة الثانوية المباركية وحصل منها على الثانوية العامة الكويتية وأيضا حصل على الثانوية العامة العراقية من الإعدادية المركزية في بغداد.

تخرج من الكلية الحربية المصرية سنة 1955 وحصل على دبلوم في الدراسات العسكرية العالي سلاح الفرسان المصري (مدرسة المدرعات).

وعين ضابط جناح التدريبات في قوة الحدود الكويتية التي كانت نواة الجيش الكويتي.

واتجه إلى العمل الحر بعد استقالته من الجيش وضمن نشاطه تأسيس مزرعة لتربية الأبقار بمنطقة الصليبية وهي كانت من أول المزارع التي نشأت في منطقة الصليبية وتخصص في تربية الأبقار الفريزيان على مستوى تجاري الأول من نوعه بدولة الكويت.

ونشأت لديه فكرة إقامة اتحاد بين المزارعين المربين للأبقار بمنطقة الصليبية لتسليط الضوء على أهمية دعم صناعة الألبان في دولة الكويت.

عن marwa reda

شاهد أيضاً

خواطر زراعية – إدارة المرياع

بقلم نائب رئيس التحرير المهندس الزراعي جاسم بوفتين استطاع الإنسان ان يروض الأغنام منذ قديم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *